محمود شيت خطاب

5

الرسول القائد

المعلومات التي جاءت في كتب السيرة بأسلوب علمي بسيط ، تطرّقت فيه إلى الموقف العام للطرفين قبل المعركة ، وأهداف المعركة ، وقوات الطرفين ، وسير الحوادث قبل القتال وأثناءه وبعده ، ونتائج المعركة ، ودروسها المفيدة ، تلك الدروس التي لم تقتصر على أعمال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، بل أظهرت أعمال المشركين أيضا ؛ وحاولت إيضاح كل ذلك بالخرائط والمخططات والأشكال ، لمعرفة مواقع المعركة وأسلوبها وأسلحتها الغريبة عنا الآن ، وبهذا الإيضاح أمكن أن يعيش القارئ في جو المعركة الأصيل ، ويطّلع على تفاصيلها ، ليحصل من ذلك على معلومات وافية عن المعركة من كل الوجوه . ولكني أغفلت بعض الظواهر الخارقة التي لا يمكن أن تحدث في الحروب العادية بين المتطاحنين من البشر ، والتي يرجع بعض المؤرخين إليها وحدها السر الأكبر في انتصار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على خصومه وأعدائه . لقد أيد اللّه نبيه وثبت قدمه ونصره على أعدائه بالملائكة المنزلة : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) « 1 » . ووعده بالنصر حين أذن له في القتال دفاعا عن النفس وردا لعادية المعتدين : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) « 2 » . ولكنّ الخوارق لم تكن وحدها أداة النصر والعامل الذي غلب به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، والذين يذهبون إلى هذا يسلبونه قوته قائدا . ثم كيف يحتذي

--> ( 1 ) - آل عمران الآيات 122 ، 123 ، 124 ، 125 ، 126 . ( 2 ) - الحج الآية 39 .